نذير حمدان
234
حكمة القرآن والحضارة
واستمتاع بالكفر ( الزمر 8 ) واستمتاع بالجهل والغفلة ( المؤمنون 54 ) . إنها متع ضالّة ولذاذات منفعة لا تغنيهم عند اللّه بشيء ( الشعراء 207 ) ومهما أمر اللّه بها ودعاهم إليها فإنها متع زائلة ولذاذات إلى حين وعندئذ تصبح الحياة كل الحياة ( متاعا ) قليلا ( آل عمران 185 - 197 ) ، بينما يمنّ اللّه على المسلمين بالمتاع الحسن بعد الإقلاع عن الذنوب ( هود 3 ) متاع بالأرض وما عليها وبالبحر وما فيه ، متاع الحضر والسفر ، متاع الرزق والخيرات ( المائدة 96 ) و ( النحل 80 ) و ( النازعات 33 ) و ( عبس 32 ) وغيرها . إن حكمة اللّه تقتضي في استمتاع الناس بالنعم السماوية والأرضية التي تزيد في تمكنهم وتقوي من عزائمهم وترفع مستوى بصائرهم إلى خالق النعم والعزائم . الإمداد والإمهال والإملاء : - وقد يكون الاستمتاع محدودا ولكنه غني بعناصر القوة المادية المؤقتة كما أسلفت فإن اللّه يمهل الضالّ ولا يهمله ، ويستدرجه ولا يستأثر به مهما استحوذ على إمدادات الضلالة قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا ( مريم 75 ) وعندئذ يحب المستمتعون ما يكرهه اللّه ويظنون أنه الخير ويكرهون ما يحبه اللّه ويظنون أنه الشر ، فالإكثار من المال والأولاد ليس وحده مسارعة في الخيرات دائما ولا حظوة وحيدة لهم عند واهب المال والأولاد وإنما هو فقدان الإحساس بحكمة الإمداد والإمهال وانعدام الشعور بالمستقبل المظلم الذي ينتظرهم من حيث يشعرون ولا يشعرون أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ * نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ ( المؤمنون 55 - 56 ) . إن قدر اللّه يضحك منهم ويسخر بهم ويتخذ منهم ضحكة وهزءا مهما اشتدوا وطغوا وأمدوا اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( البقرة 15 ) وهو يترك لهم فرص العودة إليه والأوبة إلى رحابه فلا تفاجئهم إنذاراته ومصائبه . أما المؤمنون فهم الذين يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ ( المؤمنون 61 ) وهكذا تصب إنذارات اللّه ومصائبه فيهم فلا تغنيهم أموالهم ولا أولادهم من اللّه شيئا . - وارتبط ( الإمهال ) والوعيد خاصة بأوائل السور المكية ، فقد طلبت سورة ( المزمل ) الصبر على قول المكذبين وهجرانهم هجرا جميلا ، وقريب منه ما صرحت به سورة الطارق بفشل